الشوكاني
34
فتح القدير
يضيء بنفسه من غير أن تمسه النار أصلا ، وارتفاع ( نور ) على أنه خبر مبتدأ محذوف : أي هو نور ، و ( على نور ) متعلق بمحذوف هو صفة لنور مؤكدة له ، والمعنى : هو نور كائن على نور . قال مجاهد : والمراد النار على الزيت . وقال الكلبي : المصباح نور ، والزجاجة نور ، وقال السدي : نور الإيمان ونور القرآن ( يهدي الله لنوره من يشاء ) من عباده : أي هداية خاصة موصلة إلى المطلوب ، وليس المراد بالهداية هنا مجرد الدلالة ( ويضرب الله الأمثال للناس ) أي يبين الأشياء بأشباهها ونظائرها تقريبا لها إلى الأفهام وتسهيلا لإدراكها ، لأن إبراز المعقول في هيئة المحسوس وتصويره بصورته يزيده وضوحا وبيانا ( والله بكل شئ عليم ) لا يغيب عنه شئ من الأشياء معقولا كان أو محسوسا ، ظاهرا أو باطنا ، واختلف في قوله ( في بيوت أذن الله أن ترفع ) بما هو متعلق ، فقيل متعلق بما قبله : أي كمشكاة في بعض بيوت الله وهي المساجد ، كأنه قيل مثل نوره كما ترى في المسجد نور المشكاة التي صفتها كيت وكيت ، وقيل متعلق بمصباح . وقال ابن الأنباري : سمعت أبا العباس يقول : هو حال للمصباح والزجاجة والكوكب ، كأنه قيل : وهي في بيوت ، وقيل متعلق يتوقد : أي توقد في بيوت ، وقد قيل متعلق بما بعده ، وهو يسبح : أي يسبح له رجال في بيوت ، وعلى هذا يكون قوله " فيها " تكريرا كقولك ، زيد في الدار جالس فيها . وقيل إنه منفصل عما قبله ، كأنه قال الله : في بيوت أذن الله أن ترفع . قال الحكيم الترمذي : وبذلك جاءت الأخبار أنه من جلس في المسجد فإنما يجالس ربه . وقد قيل على تقدير تعلقه بمشكاة أو بمصباح أو بتوقد ما الوجه في توحيد المصباح والمشكاة وجمع البيوت ؟ ولا تكون المشكاة الواحدة ولا المصباح الواحد إلا في بيت واحد . وأجيب بأن هذا الخطاب الذي يفتح أوله بالتوحيد ، ويختم بالجمع كقوله سبحانه - يا أيها النبي إذا طلقتم النساء - ونحوه . وقيل معنى في بيوت : في كل واحد من البيوت ، فكأنه قال : في كل بيت ، أو في كل واحد من البيوت . واختلف الناس في البيوت ، على أقوال : الأول أنها المساجد ، وهو قول مجاهد والحسن وغيرهما . الثاني أن المراد بها بيوت بيت المقدس ، روى ذلك عن الحسن . الثالث أنها بيوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، روي عن مجاهد : الرابع هي البيوت كلها ، قاله عكرمة . الخامس أنها المساجد الأربعة الكعبة ، ومسجد قباء ، ومسجد المدينة ، ومسجد بيت المقدس ، قاله ابن زيد . والقول الأول أظهر لقوله ( يسبح له فيها بالغدو والآصال ) والباء من بيوت تضم وتكسر كل ذلك ثابت في اللغة ، ومعنى أذن الله أن ترفع : أمر وقضى ، ومعنى ترفع تبنى ، قاله مجاهد وعكرمة وغيرهما ، ومنه قوله سبحانه - وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت - وقال الحسن البصري وغيره : معنى ترفع تعظم ويرفع شأنها وتطهر من الأنجاس والأقذار ، ورجحه الزجاج . وقيل المراد بالرفع هنا مجموع الأمرين ، ومعنى ( يذكر فيها اسمه ) كل ذكر لله عز وجل ، وقيل هو التوحيد ، وقيل المراد تلاوة القرآن ، والأول أولى ( يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال ) قرأ ابن عامر وأبو بكر " يسبح " بفتح الباء الموحدة مبنيا للمفعول ، وقرأ الباقون بكسرها مبنيا للفاعل إلا ابن وثاب وأبا حيوة فإنهما قرآ بالتاء الفوقية وكسر الموحدة ، فعلى القراءة الأولى يكون القائم مقام الفاعل أحد المجرورات الثلاثة ، ويكون رجال مرفوع على أحد وجهين : إما بفعل مقدر ، وكأنه جواب سؤال مقدر ، كأنه قيل من يسبحه ؟ فقيل يسبحه رجال . الثاني أن رجال مرتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف . وعلى القراءة الثانية يكون رجال فاعل يسبح ، وعلى القراءة الثالثة يكون الفاعل أيضا رجال ، وإنما أنث الفعل لكون جمع التكسير يعامل معاملة المؤنث في بعض الأحوال . واختلف في هذا التسبيح ما هو ؟ فالأكثرون حملوه على الصلاة المفروضة ، قالوا : الغدو صلاة الصبح ، والآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين ، لأن اسم الآصال يشملها ، ومعنى بالغدو والآصال : بالغداة والعشي